عبد الرحمن السهيلي
233
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وإنما قوله : لا تحزن ، وقول الله لمحمد : لا يحزنك ، وقوله لأنبيائه مثل هذا تسكين لجأشهم وتبشير لهم وتأنيس على جهة النهي الذي زعموا ، ولكن كما قال سبحانه : « تَتَنَزَّل عليهم الملائكةُ ألاَّ تَخَافُوا ولاَ تحْزَنُوا » فصلت وهذا القول إنما يقال لهم عند المعاينة ، وليس إذ ذاك أمر بطاعة ولا نهي عن معصية . ووجه آخر من التحقيق ، وهو أن النهي عن الفعل لا يقضي كون المنهي فيه ، فقد نهى الله نبيه عن أشياء ، ونهى عباده المؤمنين ، فلم يقتض ذلك أنهم كانوا فاعلين لتلك الأشياء في حال النهي ، لأن فعل النهي فعل مستقبل ، فكذلك قوله : لأبي بكر : لا تحزن ، لو كان الحزن كما زعموا لم يكن فيه على أبي بكر رضي الله عنه ما ادعوا من الغض ، وأما ما ذكرناه نحن من حزنه على النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كان طاعة ، فلم ينهه عنه الرسول عليه السلام إلا رفقاً به وتبشيراً له لا كراهية لعمل ، وإذا نظرت المعاني بعين الإنصاف لا بعين الشهوة والتعصب للمذاهب لاحت الحقائق ، واتضحت الطرائق والله الموفق للصواب . معية الله مع رسوله وصاحبه : وانتبه أيها العبد المأمور بتدبر كتاب الله تعالى لقوله : « إذْ يقولُ لصاحبه لا تَحْزَنْ إن اللّه معنا » التوبة كيف كان معهما بالمعنى ، وباللفظ ، أما المعنى فكان معهما بالنصر والإرفاد والهداية والإرشاد ، وأما اللفظ فإن اسم الله تعالى كان يذكر إذا ذكر رسوله ، وإذا دعي فقيل : يا رسول الله ، أو فعل رسول الله ، ثم كان لصاحبه كذلك يقال : يا خليفة رسول الله ، وفعل خليفة رسول الله : فكان يذكر معهما ، بالرسالة وبالخلافة ، ثم ارتفع ذلك فلم يكن لأحد من الخلفاء ولا يكون . حديث سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ثم المدلجي أحد بني مدلج بن مرة بن تميم بن عبد مناة بن كنانة . وقد ذكر ابن إسحاق حديثه حين بذلت قريش مائة ناقة لمن رد عليهم محمداً عليه السلام ، وأن سراقة استقسم بالأزلام ، فخرج السهم الذي يكره ، وهو الذي كان فيه مكتوباً لا تضره إلى آخر القصة ، وأن قوائم فرسه حين قرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساخت في الأرض ، وتبعها عثان ، وهو : الدخان وجمعه : عواثن . وذكر غير ابن إسحاق أن أبا جهل لامه حين رجع بلا شيء ، فقال وكان شاعراً : أبا حكم واللّه لو كنت شاهداً * لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه علمت ولم تشكك بأن محمداً * رسول ببرهانٍ فمن ذا يقاومه ؟ ! عليك بكفّ القوم عنه ، فإنني * أرى أمره يوماً ستبدو معالمه بأمرٍ يودّ الناس فيه بأسرهم * بأن جميع الناس طرّاً يسالمه وقد قدمنا في هذا الكتاب عند ذكر كسرى ما فعله عمر بن الخطاب حين أتى بتاج كسرى ، وسواريه ومنطقته ، وأنه دعا بسراقة ، وكان أزب الذراعين ، فحلاه حلية كسرى ، وقال له : ارفع يديك ، وقل : الحمد لله الذي سلب هذا كسرى الملك الذي كان يزعم أنه رب الناس وكساها أعرابياً من بني مدلج . فقال ذلك سراقة ، وإنما فعلها عمر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بشر بها سراقة حين أسلم ، وأخبره أن الله سيفتح عليه بلاد فارس ، ويغنمه ملك كسرى ، فاستبعد ذلك سراقة في نفسه ، وقال : أكسرى ملك الملوك ؟ ! فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن حليته ستجعل عليه تحقيقاً للوعد ، وإن كان أعرابياً بوالاً على عقبيه ، ولكن الله يعز بالإسلام أهله ، ويسبغ على محمد وأمته نعمته وفضله .